ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
63
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
نقصا ولا عيبا بوجه من الوجوه فإن لازم الحق حق ، وما لزم من إثبات كمال الرب ليس بنقص . وأما أنتم فنفيتم عنه صفات الكمال . ولا ريب أن لازم هذا النفي وصفه بأضدادها من العيوب والنقائص . فما سوى اللّه ولا رسوله ولا عقلاء عباده بين من نفى كماله المقدس حذرا من التجسيم ، وبين من أثبت كماله الأعظم وصفاته العلى بلوازم ذلك ، كائنة ما كانت . فلو فرضنا في هذه الأمة من يقول : له سمع كسمع المخلوق وبصر كبصره ويد كيده ، لكان أدنى إلى الحق ممن يقول لا سمع ولا بصر ولا يد ولو فرضنا قائلا يقول : إنه متحيز على عرشه ، تحيط به الحدود والجهات ، لكن أقرب إلى الصواب من قول من يقول : ليس فوق العرش إله يعبد ، ولا ترفع إليه الأيدي ، ولا يصعد إليه شيء ، ولا هو فوق خلقه ، ولا محايثهم ، ولا مباينهم . فإن هذا معطل مكذب للّه ، راد على اللّه ورسوله ، وذلك المشبه غالط مخطئ في فهمه . فالمشبه على زعمكم الكاذب لم يشبهه تنقيصا له وجحدا لكماله ، بل ظنا أن إثبات الكمال لا يمكن إلا بذلك ، فقابلتموه بتعطيل كماله ، وذلك غاية التنقيص . ( العاشر ) أن لغة العرب متنوعة في إفراد المضاف وتثنيته وجمعه بحسب أحوال المضاف إليه ، فإن أضافوا الواحد المتصل إلى مفرد أفردوه ، وإن أضافوا إلى اسم جمع ظاهرا أو مضمرا جمعوه . وإن أضافوا إلى اسم مثنى فالأفصح في لغتهم جمعه كقوله : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ( التحريم : 24 ) وإنما هما قلبان . وكقوله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ( المائدة : 38 ) وتقول العرب : اضرب أعناقها ، وهذا أفصح استعمالهم ، وتارة يفردون المضاف فيقولون : لسانهما وقلبهما ، وتارة يثنون كقوله صلى اللّه عليه وسلم « ظهراهما مثل ظهور الترسين » « 1 » القرآن إنما نزل بلغة العرب لا بلغة العجم والطماطم والأنباط « 2 » الذين أفسدوا الدين وتلاعبوا بالنصوص فجعلوها عرضة لتأويل الجاهلين .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 1013 ) ، ومسلم في ( الاستسقاء / 897 ) . ( 2 ) الأنباط : شعب سامىّ كانت له دولة في شمالي شبه الجزيرة العربية ، وعاصمتهم